الآمدي
128
الاحكام
عسر وقوف المكلفين على خطاب الشرع في كل واقعة من الوقائع ، بعد انقطاع الوحي ، حذرا من تعطيل أكثر الوقائع عن الأحكام الشرعية . وسواء كان السبب مما يتكرر بتكرره الحكم ، كما ذكرناه من زوال الشمس وطلوع الهلال ، وغيره من أسباب الضمانات والعقوبات والمعاملات ، أو غير متكرر به ، كالاستطاعة في الحج ونحوه ، وسواء كان وصفا وجوديا ، أو عدميا شرعيا ، أو غير شرعي على ما يأتي تحقيقه في القياس . وإذا أطلق على السبب أنه موجب للحكم ، فليس معناه أنه يوجبه لذاته ، وصفة نفسه ، وإلا كان موجبا له قبل ورود الشرع ، وإنما معناه أنه معرف للحكم لا غير ، كما ذكرناه في تحديده . فإن قيل لو كانت السببية حكما شرعيا ، لافتقرت في معرفتها إلى سبب آخر يعرفها . ويلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر ، وإما التسلسل ، وهو محال . وأيضا فإن الوصف المعرف للحكم ، إما يعرفه بنفسه ، أو بصفة زائدة . وإما التسلسل وهو محال . فإن كان الأول ، لزم أن يكون معرفا له قبل ورود الشرع وهو محال . وإن كان بصفة زائدة عليه ، فالكلام في تلك الصفة كالكلام في الأول ، وهو تسلسل ممتنع . وأيضا فإن الطريق إلى معرفة كون الوصف سببا للحكم ، إنما هو ما يستلزمه من الحكمة المستدعية للحكم من جلب مصلحة ، أو دفع مفسدة . وذلك ممتنع لوجهين : الأول : أنه لو كانت الحكمة معرفة لحكم السببية ، لأمكن تعريف الحكم المسبب بها من غير حاجة إلى توسط الوصف . وليس كذلك بالاجماع . الثاني : أن الحكمة ، إما أن تكون قديمة أو حادثة . فإن كان الأول لزم من قدمها قدم موجبها ، وهو معرفة السببية . وإن كان الثاني ، فلا بد لها من معرف آخر لخفائها . والتقسيم في ذلك المعرف عائد بعينه .